(فصل. وَفُرُوْضُ
الْوُضُوْءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَغَسْلُ
الْوَجْهِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ اِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ بَعْضِ
الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ اِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالتَّرْتِيْبُ عَلَى
مَا ذَكَرْنَاهُ) الأصل في مشروعية الوضوء وبيان فروضه: قوله تعالى: "يَا
أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ اِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ اِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
اِلَى الْكَعْبَيْنِ" الاية /المائدة: 6/. [المرافق: جمع مرفق، وهو مجتمع
الساعد مع العضد. الكعبين: مثنى كعب، وهما العظمان الناتئان من الجانبين، عند مفصل
الساق مع القدم. وإلى في الموضعين بمعنى مع، فيدخل المرفقان والكعبان في وجوب
الغسل، ودل على ذلك: ما رواه مسلم (246) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه توضأ فغسل
وجهه فأسْبَغَ الوُضُوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أَشْرَعَ في العضد، ثم يده اليسرى
حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل
رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتوضأ.
أشرع فى العضد
وأشرع في الساق: معناه أدخل الغسل فيهما.
برؤوسكم: اى
بجزء منها، دل على ذلك: ما رواه مسلم (274) وغيره عن المغيرة ؤضي الله عنه: أن
النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصِيَته وعلى العمامة.
والناصية مقدم
الرأس، وهي جزء منه، والاكتفاء بالمسح عليها دليل على أن مسح الجزء هو الفروض،
ويحصل بأي جزء كان.
ودل على فريضة
النية أوَّلَهُ – وكذلك في كل موطن تطلب فبه النية – ما رواه البخاري (1) ومسلم
(1907) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) اى لا يعتد بها شرعا الا إذا
نويت.
ودل على فريضة
الترتيب – كما ذُكِر – فعلُ النبي صلى الله عليه وسلم، الثابت بالأحاديث الصحيحة،
منها حديث أبى هريرة رضي الله عنه السابق.
قال في
المجموع: واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة، المستفيضة عن جماعة من
الصحابة، في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم وصفوه مرتبًا، مع كثرتهم
وكثرة المواطن التى رأوه فبها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير
ذلك، ولم يثبت فيه – مع اختلاف أنواعه – صفة غير مرتبة، وفعله صلى الله عليه وسلم
بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز
كما ترك التكرار في أوقات. (1/484).
(وَسُنَنُهُ
عَشَرَةُ أَشْيَاءَ: التَّسْمِيَةُ) روى النسائى (1/61) بإسناد جديد، عن أنس رضي
الله عنه قال: طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا فلم يجدواماءً، فقال
صلى الله عليه وسلم: (هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ) فَاُتِيَ بماء، فوضع يده
في الاناءالذي فيه الماء، ثم قال: (تَوَضَّؤُوا بِسْمِ اللّٰهِ) اى قائلين ذلك،
فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتى توضأ نحو سبعين رجلًا.
(وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ
قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْاِنَاءَ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالْاِسْتِنْشَاقُ، وَمَسْحُ
جَمِيْعِ الرَّأْسِ) دليل هذه السنن الأرباع: ما رواه البخاري (183) ومسلم (235)
من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، وقد سئل عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم،
فدعا بِتَوْرٍ من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: فأكْفَأ على يده
من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر بثلاث
غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المؤفقين، ثم أدخل يده
فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. [التور: إناء كان
معروفا لديهم. فأكفأ: أسال وصبّ]
(وَمَسْحُ
الْاُذُنَيْنِ: ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيْدٍ) روى الترمذي وصححه
(36) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح يرأسه، وأذنيه
ظاهرهما وباطنهما. وللنسائى (1/74): مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسبَّاحَتَيْنِ،
وظاهرهما بإبهاميه.
ورى الحاكم
(1/151) من حديث عبد الله بن زيد ؤضي الله عنه، في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم:
أنه توضأ، فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به الرأس. قال الحافظ الذهبى: صحيح.
(وَتَخْلِيْلُ
اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ) روى أبو داود (145) عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحة حنكه، فَخَلَّلَ به لحيته،
وقال: (هَكَذَا أَمَرَنِيْ رَبِّيْ عَزَّ وَجَلَّ).
(وَتَخْلِيْلُ
أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) عن لَقِيط بن صَبْرَةَ رضي الله عنه قال:
قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: (أَسْبِغِ الْوُضُوْءَ، وَخَلِّلْ
بِيْنَ الْأَصَبِعِ، وَبَالِغْ فِي الْاِسْتِنْشَاقِ اِلَّا أَنْ تَكُوْنَ
صَائِمًا) رواه أبو داود (142) وصححه الترمذي (38) وغيرهما. [أسبغ: أتمه وأكمله
يأركانه وسننه]
(وَتَقْدِيْمُ
الْيُمْنَى عَلى الْيُسْرَى) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه توضأ... وفيه: ثم أخذ
غُرْفةً من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم
مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من
ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
وانظر حاشية 2 ص 13.
(وَالطَّهَارَةُ
ثَلَاثًا ثَلَاثًا) روى مسلم (230): أن عثمان ؤضي الله عنه قال: ألا أريكم وُضُوءَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم توضأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
(وَالْمُوَالَاةُ)
اى التتابع في التطهير بين الأعضاء، بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثانى عادة،
ودليلها الاتباع المعلوم من الأحاديث السابقة.
تنبيه: كل ما
ورد في السنن من أدلة ظاهرها الوجوب، دل على عدم الوجوب فيها آية الوضوء التى نصّت
على الفرائض، وأدلة اخرى غيرها، لم نذكرها خشية التطويل.
فائدة: يستحب
أن يقول بعد الوضوء: (أَشْهَدُ اَنْ لََّا اِلٰهَ اِلَّا اللّٰهُ، وَحْدَهُ لَا
شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، اَللّٰهُمَّ
اجْعَلْنِيْ مِنَ التَّوَّابِيْنَ وَاجْعَلْنِيْ مِنَ الْمُتَطَهِّرِيْنَ.
سُبْحَانَكَ اللّٰهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَّا اِلٰهَ اِلَّا اَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ).
ورد مجموع هذا
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى أحاديث، رواها مسلم (234) والترمذي (55)
والنسائى في أعمال اليوم والليلة.